ابن الجوزي

231

بستان الواعظين ورياض السامعين

[ 368 ] نكت في ذلك نكتة حسنة لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إن كان في يوسف من الحلم والعفو ما غمر جفاهم حين قال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [ يوسف : 92 ] فذلك شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعمة والخيرات ، والعتق من النار ، والغفران من الملك القهار ، ما يغلب حميع الشهور ، وما اكتسبنا فيه من الآثام والأوزار . نكتة حسنة ، الإشارة فيه جاء إخوة يوسف معتمدين عليه في سد الخلل ، وإزاحة العلل بعد أن كانوا أصحاب خطايا وزلل . فأحسن لهم الإنزال ، وأصلح لهم الأحوال ، وبلّغهم غاية الآمال ، وأطعمهم في الجوع ، وأذن لهم في الرجوع ، وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها ، فسد الواحد خلل أحد عشر . كذلك شهر رمضان واحد والشهور أحد عشر وفي أعمالنا خلل وأي خلل ، وتقصير وأي تقصير ، وتفريط في طاعة العليم الخبير . ونحن نرجو أن نتلافى ( في ) شهر رمضان ما فرطنا فيه في سائر الشهور ، ونصلح فيه فاسد الأمور ، ويختمه علينا بالفرح والسرور ، ونعتصم فيه بحبل الملك الغفور . إن شاء اللّه تعالى بمنه وإحسانه ، وعفوه وغفرانه ، إنه سميع بصير ، وهو نعم أولى ونعم النصير . [ 369 ] أولاد يعقوب ورمضان وإشارة أخرى ، كان ليعقوب أحد عشرا ولدا ذكورا وبين يديه حاضرين ينظر إليهم ويراهم ويطلع على أحوالهم وما يبدو من أفعالهم ، ولم يرتد بصره بشيء من ثيابهم ، وارتد بقميص يوسف بصيرا ، وصار بصره منيرا ، وصار قويا بعد الضعف ، بصيرا بعد العمى فكذلك المذنب العاصي إذا شمّ روائح رمضان ، وجلس فيه مع المذكرين وقرأ القرآن ، وصحبهم بشرط الإسلام والإيمان ، وترك الغيبة وقول البهتان ، يصير إن شاء اللّه مغفورا له بعد ما كان عاصيا ، وقريبا بعد ما كان قاصيا ، ينظر بقلبه بعد العمى ، ويسعد بقربه بعد الشقا ، ويقابل بالرحمة بعد السخط ، ويرزق بلا مؤونة ولا تعب ، ويوفق طول حياته ، ويرفق بقبض روحه عند الوفاة ، ويفضل بالمغفرة عند اللقاء ، ويحظى في الجنان بدرجات الالتقاء . فاللّه اللّه اغتنموا هذه الفضيلة ، في هذه الأيام القليلة ، تعقبكم النعمة الجزيلة ، والدرجة الجليلة والراحة الطويلة إن شاء اللّه . هذه واللّه الراحة الوافرة ،